في خطوة تعكس سعي الدولة التونسية لمعالجة واحدة من أبرز الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية، أعلنت وزارة التشغيل والتكوين المهني عن إعداد إستراتيجيتين وطنيتين متكاملتين تهدفان إلى الحد من البطالة، خاصة في صفوف حاملي الشهادات العليا، الذين يمثلون الشريحة الأكثر تضررًا من اختلالات سوق الشغل في البلاد.
وجاء هذا الإعلان على لسان وزير التشغيل والتكوين المهني، رياض شود، في رده على سؤال كتابي تقدم به النائب جلال الخدمي، حيث أكد أن الوزارة بصدد اعتماد رؤية جديدة ترتكز على مقاربة شاملة ومندمجة، تستهدف خلق مواطن شغل لائقة ومستدامة، مع مراعاة خصوصيات الجهات وتعزيز التنمية المحلية.
مقاربة جديدة للتشغيل في تونس
وأوضح الوزير أن الإستراتيجية الوطنية الجديدة للتشغيل تعتمد على مراجعة عميقة للسياسات الحالية، بهدف توسيع نطاق الاستفادة لتشمل مختلف فئات الباحثين عن شغل، وليس فقط حاملي الشهادات العليا. وتقوم هذه المقاربة على تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، من مؤسسات الدولة إلى القطاع الخاص، مرورًا بالمجتمع المدني.
كما تسعى الوزارة إلى دفع نسق الانتدابات داخل المؤسسات الاقتصادية، من خلال توفير حوافز مالية وتشجيعية، خاصة عبر آليات الصندوق الوطني للتشغيل، الذي يلعب دورًا محوريًا في تسهيل إدماج الكفاءات الشابة في سوق العمل، لا سيما في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية مثل التكنولوجيا والصناعات الحديثة.
التكوين والتأهيل: ركيزة أساسية
وفي إطار تحسين قابلية التشغيل، شدد الوزير على أهمية تطوير برامج التكوين التكميلي والتأهيل المهني، بما يضمن تحقيق التوازن بين مخرجات المنظومة التعليمية واحتياجات سوق الشغل. ويُعد هذا التوجه من أبرز محاور الإصلاح، خاصة في ظل تزايد الفجوة بين المهارات التي يكتسبها الخريجون ومتطلبات المؤسسات الاقتصادية.
كما تعمل الوزارة على رقمنة خدمات مكاتب التشغيل، بهدف تسهيل الوصول إلى فرص العمل وتحسين جودة الخدمات المقدمة للباحثين عن شغل، من خلال منصات رقمية متطورة تتيح التفاعل المباشر بين طالبي العمل والمؤسسات المشغلة.
الانفتاح على الأسواق الخارجية
ومن بين النقاط الهامة التي تضمنتها الإستراتيجية، إرساء رؤية وطنية لتشغيل اليد العاملة بالخارج، عبر تعزيز الشراكات الدولية وفتح آفاق جديدة أمام الكفاءات التونسية في الأسواق العالمية. ويُنتظر أن يساهم هذا التوجه في تخفيف الضغط على سوق الشغل المحلية، مع توفير فرص عمل ذات دخل أفضل للباحثين عن شغل.
دعم المبادرة الخاصة وريادة الأعمال
وفي سياق متصل، أكد الوزير أن التشغيل المأجور بصيغته التقليدية لم يعد قادرًا على استيعاب الأعداد المتزايدة من خريجي الجامعات، وهو ما دفع الوزارة إلى التوجه نحو تعزيز ثقافة المبادرة الخاصة وريادة الأعمال، خاصة في صفوف الشباب.
وتشمل هذه الإستراتيجية إدماج ثقافة ريادة الأعمال ضمن البرامج التعليمية، إلى جانب تطوير آليات التمويل والمرافقة، لضمان نجاح المشاريع الناشئة واستمراريتها. كما يتم العمل على تبسيط الإجراءات الإدارية وتوفير الدعم الفني لأصحاب المشاريع، منذ مرحلة الفكرة إلى مرحلة التنفيذ.
تحديات قائمة ورهانات مستقبلية
ورغم أهمية هذه المبادرات، تبقى مسألة التشغيل في تونس رهينة عدة تحديات، من بينها ضعف النمو الاقتصادي، وتفاوت التنمية بين الجهات، بالإضافة إلى التغيرات السريعة في طبيعة الوظائف نتيجة التحول الرقمي.
ويرى خبراء أن نجاح هذه الإستراتيجيات يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف، من حكومة وقطاع خاص ومؤسسات تعليمية، إلى جانب ضرورة توفير مناخ استثماري محفز، قادر على استقطاب المشاريع الكبرى وخلق فرص عمل حقيقية.
نحو سوق شغل أكثر ديناميكية
في المحصلة، تعكس الإستراتيجيتان الوطنيتان اللتان أعلنت عنهما وزارة التشغيل توجهًا جديدًا نحو بناء سوق شغل أكثر مرونة وديناميكية، يقوم على الابتكار والتكامل بين مختلف القطاعات. كما تمثل هذه الخطوة محاولة جادة لمعالجة معضلة بطالة حاملي الشهادات العليا، التي طالما شكلت هاجسًا حقيقيًا لدى الشباب التونسي.
ويبقى الأمل معقودًا على حسن تنفيذ هذه البرامج على أرض الواقع، بما يحقق تطلعات آلاف الشباب الباحثين عن فرصة عمل تحفظ كرامتهم وتضمن لهم مستقبلًا أفضل.
Tags:
إقتصاد