علي بالنور: مسيرة فنية بدأت سنة 1959 وتحذير من استهداف المشهد الدرامي التونسي

يعد الفنان والمسرحي التونسي علي بالنور من أبرز الأسماء التي تركت بصمة واضحة في تاريخ المسرح والدراما في تونس. وعلى امتداد عقود طويلة من العمل الفني، استطاع هذا الفنان أن يحجز لنفسه مكانة مميزة في ذاكرة الجمهور التونسي، من خلال مشاركاته المتنوعة في المسرح والتلفزيون، إضافة إلى حضوره الثقافي في عدد من المشاريع الفكرية والفنية.

وفي حديث إعلامي مطول، استعرض بالنور أبرز محطات مسيرته الفنية التي انطلقت منذ نهاية خمسينات القرن الماضي، كما عبّر عن رؤيته للواقع الثقافي والدرامي في تونس اليوم، مسلطًا الضوء على التحديات التي يواجهها قطاع الإنتاج الفني في البلاد.

بداية مبكرة مع المسرح

كشف الفنان علي بالنور أن علاقته بالمسرح بدأت في سن مبكرة جدًا، عندما كان لا يزال طفلًا في السادسة من عمره. وأوضح أن أول تجربة له على خشبة المسرح كانت في شهر مارس من سنة 1959، وذلك في إطار نشاطات الكشافة التونسية التي كانت تلعب دورًا مهمًا في تنمية المواهب الفنية لدى الأطفال والشباب في تلك الفترة.

وأشار إلى أن تلك التجربة الأولى كانت لحظة مفصلية في حياته، حيث اكتشف من خلالها شغفه الحقيقي بالفن والتمثيل، وهو الشغف الذي رافقه طيلة مسيرته المهنية. وأضاف أن المسرح بالنسبة إليه لم يكن مجرد نشاط ترفيهي، بل كان فضاءً للتعبير عن الأفكار والمشاعر، ومنبرًا للتواصل مع المجتمع.

الفن رسالة قبل أن يكون مهنة

وخلال حديثه عن دوافع العمل الفني، أكد علي بالنور أن الحب يمثل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الفن الحقيقي. واعتبر أن الفن لا يمكن أن يكون مجرد وسيلة لتحقيق الشهرة أو المكاسب المادية، بل يجب أن يكون قبل كل شيء رسالة إنسانية وثقافية.

وأوضح أن الكثير من الفنانين يدخلون المجال بدافع الشغف والإبداع، لكن الظروف الاقتصادية أحيانًا قد تدفع البعض إلى قبول أعمال لا تعكس بالضرورة طموحاتهم الفنية. ورغم ذلك، يرى بالنور أن الفنان يظل مطالبًا بالحفاظ على مستوى معين من الجودة والصدق في أدائه.

كما شدد على أن الفنان الحقيقي هو من يسعى دائمًا إلى تطوير أدواته الفنية ومواكبة التحولات الثقافية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع.

الكتابة الدرامية بين الماضي والحاضر

وتوقف علي بالنور عند مسألة كتابة السيناريو في الأعمال الدرامية التونسية، مستعيدًا تجربته مع عدد من الأعمال التي اعتبرها علامات بارزة في تاريخ الدراما المحلية.

وتحدث بشكل خاص عن مسلسل "عودة المنيار"، مشيرًا إلى أن هذا العمل لم يكن مجرد قصة درامية عادية، بل كان نتيجة بحث معمق قام به كاتب السيناريو الراحل علي اللواتي، الذي وصفه بالأب الروحي للدراما التونسية.

وأوضح بالنور أن اللواتي كان يتميز بدقة كبيرة في البحث التاريخي قبل كتابة أي عمل درامي، حيث كان يحرص على توثيق الأحداث والوقائع بشكل دقيق. وضرب مثالًا بذلك أثناء حديثه عن مسلسل "قمرة سيدي محروس"، حيث قام الكاتب بزيارة مكتبة في العاصمة الفرنسية باريس للحصول على تسجيل نادر من إذاعة "بي بي سي" يوثق قصف ألمانيا لتونس خلال الحرب العالمية الثانية.

وأضاف أن إدراج هذه المعطيات التاريخية داخل العمل الدرامي يعكس حجم المسؤولية التي كان يشعر بها كتّاب السيناريو في تلك الفترة، حيث كانوا يعتبرون أن الدراما ليست مجرد ترفيه، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة الوطنية.

انتقادات لواقع الدراما التونسية

وفي تقييمه للوضع الحالي للدراما التونسية، عبّر علي بالنور عن قلقه من التحديات التي يواجهها هذا القطاع في السنوات الأخيرة. واعتبر أن الإنتاج الدرامي في تونس يمر بمرحلة صعبة نتيجة نقص الموارد المالية وضعف الميزانيات المخصصة للإنتاج.

وأوضح أن الميزانيات التي تُرصد للأعمال الدرامية لم تشهد تطورًا ملحوظًا منذ أكثر من عشرين عامًا، رغم الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج الفني. وأضاف أن الزيادة الطفيفة التي تم تسجيلها خلال الموسم الأخير تبقى غير كافية لمواكبة التطورات التقنية والفنية التي يشهدها قطاع الدراما عالميًا.

وأشار بالنور إلى أن هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على الفنانين والتقنيين العاملين في المجال، الذين يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان أمام صعوبات مهنية واقتصادية كبيرة.

كما اعتبر أن ضعف الاستثمار في القطاع الثقافي يمكن أن يؤثر سلبًا على جودة الأعمال الفنية وعلى قدرة الدراما التونسية على المنافسة إقليميًا وعربيًا.

المسرح كأداة للتوعية

إلى جانب نشاطه الفني، كشف علي بالنور عن مشاركته في مبادرات ثقافية تهدف إلى نشر الوعي داخل الأوساط الشبابية والجامعية. وأوضح أنه تعاون مؤخرًا مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مشروع ثقافي يسعى إلى تعزيز الحس النقدي لدى الطلبة من خلال المسرح.

وأشار إلى أنه اختار تقديم ما يُعرف بـ"مسرح القسوة" أو "مسرح الواقع"، وهو نوع من المسرح يعتمد على تقديم مشاهد إنسانية قوية تثير التفكير وتدفع الجمهور إلى التأمل في القضايا الإنسانية الكبرى.

وأكد أن هذه التجربة ركزت على تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية في مناطق الصراع، وخاصة ما يحدث في قطاع غزة، معتبرًا أن الفن يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في تعزيز الوعي بالقضايا الإنسانية العادلة.

دور الفن في بناء المجتمعات

وفي ختام حديثه، شدد الفنان علي بالنور على أن الفن يظل أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تساهم في بناء المجتمعات وتعزيز القيم الإنسانية. واعتبر أن المسرح والدراما قادران على نقل الرسائل العميقة إلى الجمهور بطريقة مؤثرة، خاصة عندما يتم تقديم الأعمال الفنية بصدق واحترافية.

كما دعا إلى ضرورة دعم القطاع الثقافي في تونس، سواء من خلال زيادة الميزانيات المخصصة للإنتاج الفني أو عبر تشجيع المبادرات الثقافية التي تستهدف الشباب.

ويرى بالنور أن مستقبل الدراما التونسية يبقى واعدًا رغم التحديات، خاصة في ظل وجود جيل جديد من الفنانين والمبدعين الذين يسعون إلى تطوير المشهد الفني وإعادة إشعاعه على المستوى العربي.

وبين الماضي العريق والتحديات الحالية، تبقى تجربة علي بالنور شاهدة على تاريخ طويل من الإبداع الفني الذي ساهم في تشكيل ملامح الثقافة التونسية الحديثة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم