شهدت سوق السيارات في تونس بداية قوية خلال سنة 2026، حيث سجلت المبيعات ارتفاعاً ملحوظاً خلال شهري جانفي وفيفري، في مؤشر إيجابي يعكس عودة الحركية إلى أحد أهم القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالاستهلاك والاستثمار. ووفق معطيات إحصائية حديثة، فقد ارتفع إجمالي مبيعات السيارات بنسبة 7.54 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، ليتجاوز عدد السيارات المروّجة في السوق التونسية 8 آلاف و880 سيارة.
وجاءت هذه الأرقام وفق بيانات نقلتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء عن الغرفة الوطنية لوكلاء ومصنّعي السيارات التابعة للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والتي أكدت أن الأشهر الأولى من العام الحالي شهدت مؤشرات إيجابية تعكس تحسن الطلب على السيارات الجديدة رغم التحديات الاقتصادية.
هيمنة العلامات الآسيوية على السوق
أظهرت البيانات أن العلامات الآسيوية واصلت تعزيز حضورها في السوق التونسية، حيث تمكنت من فرض سيطرتها على ترتيب المبيعات خلال الفترة المدروسة. فقد احتلت أربع علامات آسيوية، أغلبها من كوريا الجنوبية واليابان، المراكز الأربعة الأولى ضمن قائمة العلامات الأكثر مبيعاً لدى الوكلاء المعتمدين.
وتراوحت مبيعات هذه العلامات بين 571 سيارة و1117 سيارة لكل علامة، وهو ما يعكس ثقة المستهلك التونسي المتزايدة في السيارات الآسيوية، التي أصبحت تُعرف بجودة تصنيعها وتطور تجهيزاتها التكنولوجية إلى جانب أسعارها التنافسية مقارنة ببعض العلامات الأوروبية.
ويرى مختصون في قطاع السيارات أن هذا التوجه يعكس أيضاً تغيراً تدريجياً في سلوك المستهلك التونسي، الذي بات يبحث عن التوازن بين الجودة والسعر وتكاليف الصيانة، وهو ما توفره العديد من العلامات الآسيوية التي نجحت في كسب حصة مهمة من السوق خلال السنوات الأخيرة.
الشاحنات الخفيفة والعربات النفعية تسجل قفزة كبيرة
في فئة العربات النفعية والشاحنات الخفيفة، حافظت إحدى أبرز العلامات اليابانية على موقعها الريادي في السوق التونسية، حيث تمكنت من تحقيق حصة سوقية تجاوزت 31 بالمائة.
كما سجلت هذه العلامة ارتفاعاً قياسياً في حجم المبيعات بنسبة 208 بالمائة مقارنة بالسنة الماضية، وهو تطور لافت يعكس ارتفاع الطلب من قبل المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين على هذا النوع من العربات، خاصة في قطاعات النقل والخدمات والتوزيع.
وفي المرتبة الثانية ضمن هذه الفئة، جاءت علامة فرنسية معروفة، التي حافظت بدورها على حضور قوي في السوق، مستفيدة من سمعتها الطويلة في مجال تصنيع السيارات التجارية والنفعية.
ويؤكد خبراء القطاع أن هذا الارتفاع في الطلب على الشاحنات الخفيفة مرتبط جزئياً بتنامي النشاط الاقتصادي لبعض القطاعات، إضافة إلى توسع التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل التي تتطلب أساطيل نقل صغيرة ومتوسطة.
تراجع طفيف في مبيعات السيارات الشعبية
على صعيد آخر، كشفت البيانات عن تراجع طفيف في نسق بيع السيارات الشعبية خلال شهري جانفي وفيفري 2026 مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
فقد بلغ عدد السيارات الشعبية التي تم ترويجها خلال الشهرين الأولين من السنة الحالية 1103 سيارات، مقابل 1149 سيارة خلال الفترة ذاتها من سنة 2025.
ويشارك في تسويق هذا الصنف من السيارات سبعة وكلاء بيع معتمدين، معظمهم يمثلون علامات آسيوية، إلا أن اللافت أن علامة أوروبية تمكنت من الحفاظ على المركز الأول في مجال ترويج السيارات الشعبية منذ بداية السنة.
ويرجع بعض المهنيين هذا التراجع الطفيف إلى تقلص الحصص المخصصة من هذا الصنف من السيارات إضافة إلى زيادة الطلب مقارنة بالعرض المتوفر في السوق.
أسعار السيارات الشعبية في تونس
بالنسبة إلى الأسعار، تشير المعطيات إلى أن سعر السيارات الشعبية في تونس يتراوح حالياً بين 30 ألف دينار و34 ألفاً و800 دينار، وفق العلامة التجارية والتجهيزات المتوفرة.
وتُعد هذه السيارات من بين الخيارات الأكثر طلباً لدى فئة واسعة من التونسيين، خاصة من ذوي الدخل المتوسط، نظراً لكونها مدعومة نسبياً وتتوفر بأسعار أقل مقارنة ببقية السيارات الجديدة في السوق.
تنامي حضور العلامات الصينية
ومن أبرز المؤشرات التي كشفت عنها إحصائيات شهر فيفري 2026، التنامي السريع للعلامات الآسيوية وخاصة الصينية التي سجلت نسب نمو ثلاثية الأرقام في بعض الحالات.
ويعكس هذا التطور تحوّلاً تدريجياً في توجهات المستهلك التونسي نحو خيارات جديدة تجمع بين التكنولوجيا الحديثة والأسعار التنافسية، حيث أصبحت العديد من الشركات الصينية تقدم سيارات مجهزة بأنظمة متطورة وبأسعار أقل من نظيراتها الأوروبية أو اليابانية.
كما ساهم توسع شبكة الوكلاء المعتمدين لهذه العلامات في تونس في تعزيز انتشارها داخل السوق المحلية، ما جعلها تنافس بقوة العلامات التقليدية.
نمو لافت للسوق الموازية للسيارات
في المقابل، كشفت معطيات الغرفة الوطنية لوكلاء ومصنعي السيارات عن ارتفاع ملحوظ في نشاط السوق الموازية للسيارات خلال بداية سنة 2026.
فقد تم ترويج 4515 سيارة عبر السوق الموازية منذ بداية العام، مسجلة بذلك نمواً بنسبة 17.85 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، حيث كانت المبيعات آنذاك في حدود 3831 سيارة.
ويشير هذا المعطى إلى أن عدداً متزايداً من المستهلكين والتجار الصغار يلجؤون إلى القنوات غير الرسمية لاقتناء السيارات، غالباً بحثاً عن أسعار أقل أو توفر أسرع للسيارات التي قد تكون غير متاحة لدى الوكلاء الرسميين.
وتُظهر البيانات أن العلامات الأوروبية تهيمن بشكل واضح على السوق الموازية، ما يعكس استمرار الإقبال على هذه الماركات من قبل المستهلك التونسي، حتى خارج شبكة التوزيع الرسمية.
مستقبل سوق السيارات في تونس
تشير المؤشرات الحالية إلى أن سوق السيارات في تونس قد يشهد مزيداً من التحولات خلال السنوات القادمة، خاصة مع تنامي المنافسة بين العلامات الآسيوية والأوروبية، إضافة إلى دخول علامات جديدة إلى السوق.
كما يتوقع مختصون أن تلعب السيارات الكهربائية والهجينة دوراً متزايداً في المرحلة القادمة، في ظل التوجه العالمي نحو الطاقات النظيفة ومحاولات تقليص استهلاك الوقود.
وفي ظل هذه المتغيرات، يبقى المستهلك التونسي أمام خيارات أوسع من أي وقت مضى، بين سيارات ذات أسعار تنافسية وتجهيزات متطورة، وهو ما قد يساهم في إعادة تشكيل خريطة سوق السيارات في تونس خلال السنوات المقبلة.
Tags:
إقتصاد