شهدت سوق الذهب في تونس خلال الأيام الأخيرة تطورات لافتة، بعد أن سجل سعر الغرام من الذهب انخفاضا ملحوظا ليبلغ حوالي 355 دينارا، وفق ما أكده رئيس الغرفة النقابية الوطنية لتجار المصوغ حاتم بن يوسف. ويأتي هذا التراجع في سياق تحولات عالمية وإقليمية أثرت بشكل مباشر على أسعار المعادن الثمينة، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الأخيرة التي شهدتها المنطقة.
انخفاض ملحوظ في سعر الذهب
وأوضح رئيس الغرفة النقابية الوطنية لتجار المصوغ أن سعر الغرام من الذهب في تونس سجل يوم الاثنين 16 مارس 2026 تراجعا ليصل إلى حدود 355 دينارا، وهو ما يمثل انخفاضا مقارنة بالأسابيع الماضية التي شهدت ارتفاعا متواصلا في الأسعار.
وأشار بن يوسف إلى أن هذا التراجع يعود أساسا إلى التطورات الدولية، وخاصة تداعيات الحرب الإيرانية الأخيرة، التي أثرت بشكل مباشر على الأسواق المالية العالمية وعلى أسعار المعادن النفيسة، بما في ذلك الذهب الذي يعد من أهم الأصول الآمنة في أوقات الأزمات.
وأضاف أن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية مواصلة انخفاض أسعار الذهب بشكل تدريجي خلال الفترة القادمة، خاصة إذا استقرت الأوضاع الدولية وعادت الأسواق العالمية إلى نوع من التوازن.
تأثير الأوضاع العالمية على السوق التونسية
لا تعمل سوق الذهب في تونس بمعزل عن التطورات الدولية، إذ ترتبط أسعار الذهب محليا بشكل وثيق بأسعاره في الأسواق العالمية. لذلك فإن أي تغير في العرض أو الطلب العالمي، أو أي اضطرابات سياسية واقتصادية، ينعكس بشكل مباشر على السوق المحلية.
وفي هذا السياق، أوضح بن يوسف أن التقلبات الدولية كان لها أثر واضح على أسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت الأسعار خلال سنة 2025 ارتفاعا قياسيا بلغ حوالي 66 بالمائة مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما تسبب في ضغط كبير على القدرة الشرائية للمواطنين.
كما أشار إلى أن بداية سنة 2026 شهدت بدورها ارتفاعا جديدا في أسعار الذهب، حيث سجلت زيادة بنسبة 14 بالمائة خلال شهر جانفي، قبل أن تبدأ الأسعار في التراجع تدريجيا خلال الأسابيع الأخيرة.
إقبال نسبي خلال شهر رمضان
ورغم ارتفاع الأسعار خلال الفترة الماضية، أكد رئيس الغرفة النقابية أن سوق المصوغ في تونس تشهد إقبالا نسبيا خلال شهر رمضان، وهو أمر معتاد في هذه الفترة من السنة حيث يستعد العديد من التونسيين لمناسبات اجتماعية مختلفة مثل الخطوبة والزواج واقتناء الهدايا.
لكن هذا الإقبال لم يعد كما كان في السابق، إذ لاحظ التجار تغيرا واضحا في سلوك المستهلك التونسي خلال السنوات الأخيرة. فمع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، أصبح المواطنون يميلون إلى شراء القطع الخفيفة من الذهب بدلا من المصوغ الثقيل أو القطع الكبيرة.
ويفسر المهنيون هذا التوجه برغبة المستهلكين في الحفاظ على تقاليد اقتناء الذهب دون تحمل أعباء مالية كبيرة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها العديد من العائلات.
الذهب المتداول في تونس
وفي ما يتعلق بطبيعة الذهب المتداول في السوق المحلية، أكد بن يوسف أن الذهب الأكثر انتشارا في تونس هو عيار 18، وهو العيار الذي يلقى إقبالا واسعا لدى الحرفيين والمستهلكين على حد سواء.
كما أوضح أن البنك المركزي التونسي يعد المزود الرئيسي للذهب في البلاد، حيث يتم تزويد تجار المصوغ بالكميات اللازمة وفق ضوابط محددة، بما يضمن تنظيم السوق والمحافظة على جودة المصوغ المتداول.
ويعتمد الحرفيون التونسيون على هذا الذهب في صناعة مختلف أنواع المصوغ، التي تتنوع بين الخواتم والأساور والقلائد وغيرها من القطع التي تحافظ على الطابع التقليدي التونسي مع لمسات عصرية تلبي مختلف الأذواق.
هامش ربح محدود للتجار
ومن النقاط التي شدد عليها رئيس الغرفة النقابية أيضا أن نسبة الربح التي يحققها تجار المصوغ في تونس محددة قانونيا بحوالي 2.5 بالمائة فقط. ويعني ذلك أن التجار لا يتحكمون بشكل مباشر في تحديد أسعار الذهب، بل ترتبط الأسعار أساسا بتكلفة المادة الخام في السوق العالمية.
وأوضح أن هذا الهامش المحدود يجعل التجار بدورهم يتأثرون بتقلبات الأسعار، حيث يمكن أن تتراجع حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ عندما ترتفع الأسعار بشكل كبير.
مستقبل أسعار الذهب
ويرى المختصون أن مستقبل أسعار الذهب في تونس سيظل مرتبطا بشكل كبير بما يحدث في الأسواق العالمية، سواء من حيث التوترات الجيوسياسية أو تحركات الاقتصاد العالمي وأسعار العملات.
ففي حال استمرت حالة الاستقرار النسبي في الأسواق الدولية، قد تواصل الأسعار التراجع تدريجيا خلال الأشهر القادمة، وهو ما قد يمنح المستهلك التونسي فرصة أفضل لاقتناء الذهب بأسعار أقل مقارنة بالفترة الماضية.
وفي المقابل، يبقى الذهب من بين أهم الملاذات الاستثمارية الآمنة التي يلجأ إليها الأفراد في أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي، وهو ما يجعل الطلب عليه قائما مهما تغيرت الظروف.
سوق المصوغ بين التقاليد والواقع الاقتصادي
تظل سوق المصوغ في تونس جزءا مهما من العادات الاجتماعية والثقافية، حيث يرتبط الذهب بالعديد من المناسبات العائلية مثل الزواج والخطوبة والأعياد.
لكن الواقع الاقتصادي فرض تغييرات واضحة على طريقة تعامل التونسيين مع هذا المعدن الثمين. فبينما كان اقتناء المصوغ الثقيل يعد في السابق مؤشرا على الرفاه الاجتماعي، أصبح العديد من المستهلكين اليوم يفضلون الحلول الأكثر اقتصادية مثل القطع الخفيفة أو الادخار التدريجي في الذهب.
وفي ظل هذه التحولات، يحاول تجار المصوغ التأقلم مع متطلبات السوق الجديدة من خلال تنويع المنتجات وتقديم تصاميم مختلفة تتناسب مع مختلف الميزانيات.
في المحصلة، يعكس تراجع سعر الذهب في تونس إلى حدود 355 دينارا للغرام تحولا مهما في السوق خلال الفترة الحالية، خاصة بعد موجة الارتفاعات القوية التي شهدها المعدن النفيس خلال السنوات الأخيرة.
وبين تأثير العوامل الدولية وتغير سلوك المستهلكين، تظل سوق الذهب في تونس مرآة للتوازنات الاقتصادية المحلية والعالمية، في انتظار ما ستكشفه الأشهر القادمة من تطورات جديدة في أسعار هذا المعدن الثمين.
Tags:
إقتصاد